أبي الفرج الأصفهاني
111
الأغاني
قال : إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفا فمكرت بك امرأة ، وأنهم قد رجعوا . ففي ذلك يقول : ألا عجب الفتيان من أمّ مالك تقول : لقد أصبحت أشعث أغبرا وذكر باقي الأبيات المتقدّمة . وقال غيره : لا بل قال هذه القصيدة في عامر بن الأخنس الفهميّ ، وكان من حديث عامر بن الأخنس أنه غزا في نفر ، بضعة وعشرين رجلا ، فيهم عامر بن الأخنس ، وكان سيّدا فيهم ، وكان إذا خرج في غزو رأسهم ، وكان يقال له سيّد الصعاليك ، فخرج بهم حتى باتوا على بني نفاثة بن عدي بن الدّيل ممسين ، ينتظرون أن ينام الحيّ ، حتى إذا كان في سواد الليل مر بهم راع من الحي قد أغدر ، فمعه غديرته [ 1 ] يسوقها / فبصر بهم وبمكانهم ، فخلى الغديرة وتبع الضّراء ضراء [ 2 ] الوادي ، حتى جاء الحي فأخبرهم بمكان القوم وحيث رآهم ، فقاموا فاختاروا : فتيان الحي فسلحوهم ، وأقبلوا نحوهم ، حتى إذا دنوا منهم قال رجل من النّفاثيّين : واللَّه ما قوسي بموترة [ 3 ] . فقالوا : فأوتر قوسك ، فوضع قوسه فأوترها ، فقال تأبط لأصحابه : اسكتوا ، واستمع فقال : أتيتم واللَّه ، قالوا : وما ذلك ؟ قال : أنا واللَّه أسمع حطيط وترقوس . قالوا : واللَّه ما نسمع شيئا ، قال : بلى واللَّه إني لأسمعه ، يا قوم النّجاء ، قالوا : لا واللَّه ما سمعت شيئا ، فوثب فانطلق وتركهم ، ووثب معه نفر ، وبيّتهم [ 4 ] بنو نفاثة فلم يفلت منهم إنسان ، وخرج هو وأصحابه الذين انطلقوا معه ، وقتل تلك الليلة عامر بن الأخنس . قال ابن عمير : وسألت أهل الحجاز عن عامر بن الأخنس ، فزعموا أنه مات على فراشه . فلما رجع تأبّط قالت له امرأته : تركت أصحابك ، فقال حينئذ : ألا عجب الفتيان من أمّ مالك تقول : لقد أصبحت أشعث أغبرا مصرعه على يد غلام دون المحتلم : فلما رجع تأبّط وبلغه ما لقي أصحابه قال : واللَّه ما يمسّ رأسي غسل ولا دهن حتى أثأر بهم . فخرج في نفر من قومه ، حتى عرض لهم بيت من هذيل بين صوى [ 5 ] جبل ، فقال : اغنموا هذا البيت أولا ، قالوا : لا واللَّه ، ما لنا فيه أرب ، ولئن كانت / فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها . فقال : إني أتفاءل أن أنزل ، ووقف ، وأتت به ضبع من يساره ، فكرهها ، وعاف [ 6 ] على غير الذي رأى ، فقال : أبشري أشبعك من القوم غدا . فقال له أصحابه : ويحك ، انطلق ، فو اللَّه ما نرى أن نقيم عليها . قال : لا واللَّه لا أريم حتى أصبح . وأتت به ضبع عن يساره فقال : أشبعك من القوم غدا . فقال أحد القوم : واللَّه إني أرى هاتين [ 7 ] غدا بك ، فقال : لا واللَّه
--> [ 1 ] الغديرة : الناقة يتركها الراعي . [ 2 ] الضراء : الشجر الملتف في الوادي ، أو أرض مستوية تأويها السباع ، وبها نبذ من الشجر . [ 3 ] أي يسمع صوت وضع الوتر في القوس . [ 4 ] بيتوهم : دهموهم ليلا . [ 5 ] الصوى : جمع صوة ، وهي علامة يهتدى بها في الطريق ، أو ما غلظ وارتفع من الأرض . [ 6 ] يقال : عاف الطير : زجرها بمعنى اعتبر بأسمائها ومساقطها وأنوائها فسعد أو تشاءم ، والمراد أنه تطير من مرور الضبع عن يساره . [ 7 ] لعل المراد : إني أرى هاتين ذاهبتين غدا بك ، أو تكون كلمة « غدا » تحريف « غدرتا » .